محمد طاهر الكردي
449
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
وقد كانت هذه الدائرة قبل عهد سحنون خارجة عن أنظار كبير قضاة المملكة ويتولاها قضاة يقع تعيينهم من الأمير ويكونون مسؤولين إليه وحده وهو الذي يجري رقابته عليهم ويأمر بعزلهم . فلما أسند القضاء إلى سحنون رأى أن في خروج القضاء البلدي عن نظره مساسا باستقلال القضاء عن الإدارة والإمارة وسببا لحدوث ارتباكات لا تتلاءم مع مذهبه القضائي فبادر بالمطالبة بضم هذا النوع من القضاء إلى سلطته الخاصة ومشمولات أنظاره وتم له ذلك ، فأحرز القضاء بهذا الانتصار على كمال استقلاله وعظيم نفوذه . وأمكن للإمام أن يحدد مرجع نظر هذه الدائرة بغاية الدقة وأن يرتب لها أعوانها ويقرر لكل عون منطقة نفوذه الترابية وماله من حقوق وامتيازات وما عليه من تكاليف وواجبات واستطاع أن يستبدل الأقدمين من رجال تلك الدائرة بآخرين محرزين على الثقة والنزاهة ورضى العموم والخصوص . وبهذا أدت دائرة القضاء البلدي واجبها الخطير على أكمل وجه وساد بفضلها النظام والأمن بين المتساكنين وأصبحت البلاد الإفريقية التي تعج بمختلف العناصر والأجناس تنافس العواصم الشرقية ( ولا أقول الغربية ) في ازدهارها وعمرانها ونظافتها وأمنها . ولقضاة وأعوان هذه الدائرة وقائع وحوادث لا تكفي لتسجيلها المؤلفات الضخمة . الدرجة الثالثة : درجة القضاء العالي ( أو محكمة قاضي القضاة ) وتنظر دائرة القضاء العالي أصالة في الجنح المستوجبة للتغيرير ، وفي الجنايات المستوجبة للحدود ، وتنظر أيضا فيما هو خارج عن اختصاصات دائرتي المظالم والحسبة . ويتولى أمر هذه الدائرة القاضي الذي ينتخبه رجال العلم ويعينه الأمير الشرعي ، ويتساوى في التقاضي أمامها الملك والراعي والجاهل والعالم والعظيم والحقير . وقد أصبح لهذه الدائرة في عهد سحنون من الجلال الرائع والعظمة الهائلة ما أخضع لها حملة التيجان وأرهب أولي المكانة والشأن وغدت الأقدام تثبت أمام العروش المذهبة وتتزلزل أمام بيت القاضي وحول سدته الترابية الخشنة .